الرئيسية / الثقافة في جعلان / خواطر / قصة من واقع الضمير ( ناصر المسروري )

قصة من واقع الضمير ( ناصر المسروري )

سيمفونية الوحدة  

وبينما كنت أقطن وحيدا في ذلك الملجأ البعيد وحيدا في مغارتي … يائسا … حتمت على نفسي الوحدة بإرادتي … بعد أن قررت الصمت … وحتمت الغموض … أجبرت كياني بالعزلة بعيدا عن كل شي… لا حب … لا عشق… لا وصال … بعيدا عن كل العيون.

اجتاحني فضولا غريبا بعد أن غافلت الوحدة والظلمة… تلصصت من فتحة مغارتي كي أكشف موعد القمر مع سماءه… وددت أن أرى تلك النجوم الساطعة وهي ترافق ملكها وسلطانها القمر تحرسه وتزيد الجو  روعة وجمالا … طللت من فوهة المغارة بكل حذر كي لا تحس السماء ولا تحس نجوم القمر بي… وكانت المفاجئة …

السماء ليست سماء فقد كانت ملبدة بالغيوم وليلها حالك وطقسها قارص… والقمر بالتأكيد لن يظهر فمثله لا مكان له بين الزحام… لذا رجعت خائبا… مفزوعا… يا لها من ليلة مؤلمة… وقبل أن أجلس واستعيد أنفاس الحيرة … إذ بصوت الرعد المخيف يقتلع قلبي من جذوره ويفزعه… وضوء برق خاطف يتلاحق كأنه يريد تفجير مغارتي … وبرد شتاء قارص جارف يتسلل إلي من فوهة المغارة فأقشعر بدني له… وصوت مطر غزير كأنه يعلن بكاء السماء… لعله حدادا على القمر الموعود المفقود … فبرغم مشيئة الأقدار … وكل شئ في جوف السماء … فقد عزفت أسناني سيمفونية الخوف والبرد … وتراقص جسمي لها ارتعاش الطرب اللاإرادي.

وأنا في ذلك إذا بصوت مزعج قادم إلي… أدركت بأنه صوت صديقي الخفاش الذي يشاركني السكن في المغارة فلقد أتى هو الآخر خائبا من موعده … فزمجرته وصوته المزعج دليلا على أن بومته استحال عليها لقاءه في هذا الجو المرعب المخيف الممطر البارد… استندت على جدار مغارتي … أتأمل … وأفكر في حالي هذا… وحال صديقي الخفاش … وقمري… وسمائي… وفي ما وصلت بنا العاطفة…

العاطفة… ماذا جنينا من العاطفة ؟ … فبعد كل الوفاء والإخلاص والتضحيات … والحرمان … والانعزال … بعد كل العمر الذي ضاع … فحالي يرثى عليه الآن…

كأنني أبحث عن شفقة … لعلني مسلوب الإرادة… هل لأنني مدمن حب… وذلك الحب هناك سالي لا يعلم عني شيئا… هل غره الحاضر … وأنساه رفيق دربه… هل اكتفى قلب حبي بحد ما من العاطفة وتركني أكابد لوعة الحرمان … وألم الذكرى التي تعذبني… توبخني في كل لحظه … حتى أصبحت في هذا الحال المؤلم.

خطرت ببالي فكرة … لما لا أجربها… لما لا… أجرب حب الخيانة… أبحث … أكرس كل أوقاتي للبحث عن حب جديد جار عليه الزمان … وأصبح في نظر المجتمع خائن…فمعه سأجعل أوقاتي تمتزج بالخيانة … يبادلني وأبادله شعور عاطفي مسروق منزلق مغشوش…

علها تنجح التجربة… كتركيبية كيميائية… تنصهر فيها المادة بالمادة… وتعلم بخيانتي لعاطفتي … واعلم أنا كذلك بها… دون الاكتراث للحس … والضمير… والشعور.

 وبينما كنت غارقا في التفكير الهائم… استيقظت من غفوتي بشدو عصفور يزقزق وانهمار قطرات ماء تتساقط في بركة خلفتها ليلتي الممطرة … نظرت إلى الخفاش وجدته مستسلماً في سباته كأنه يحلم بليلة أخرى متجددة يحذوه الأمل …قررت أن أكون مثله … لعل الأيام المقبلة من عمري تحمل لي بشرى تعوضني عما فات … فخلدت إلى النوم.

ناصر بن حمد بن مالك المسروري 

شاهد أيضاً

فـراغٌ بلا نقـط ( نبهان الحنشي )

  ((قبل أن ننزف من الأرق الفراغ..يا منافينا: لنا موت نما فينا لنا وطن ينادينا)) أشتم …